حقيقة الحديث الذي يروي قصة الجار اليهودي
قسم علوم القرآن والحديث النبوي أكذوبة قصة الجار اليهودي الذي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم
زائرنا الكريم : مرحبا بك في منتدى برمجيات علي هاشم الرحيق المختوم ويسعدنا ان تنضم إلينا وتذكر قول الله -تعالى- ))ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد: أكذوبة قصة الجار اليهودي ?...الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:
من المصائب العظمى التي نزلت بالمسلمين منذ العصور الأولى انتشار الأحاديث الضعيفة و الموضوعة بينهم ...، و قد أدى انتشارها إلى مفاسد كثيرة ، منها ما هو من الأمورالإعتقادية الغيبية ، و منها ما هو من الأمور التشريعية ,و هذه القصة التي اشتهرت على ألسنة العامة و التي سيقت إليهم عن طريق المنابر ، هذه الأخيرة التي أصبح من يصعدها لا يراعي أمن الصحيح يستدل أم من الضعيف أو الموضوع المكذوب ، فكم من حديث صحيح ضعفوه بعقولهم دون اللجوء إلى قواعد الحديث المعروفة عند المحدثين و كم من حديث ضعيف صححوه إتباعا لأهوائهم ، و من بين الأحاديث التي يتشدق بها هؤلاء المساكين و جعلوه حجة لمن يكفر أو يكره اليهود و النصارى قصة اليهودي الذي كان يؤذي النبي صلى الله عليه و سلم و مع هذا زاره النبي عند مرضه ، و هذا الحديث من أبطل الأباطيل ، و لكن لا تعجب فهذه هي الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة و لهذا سمى العلامة الألباني رحمه الله تعالى كتابه بـ : '' سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة و أثرها السيئ على الأمة '' ، و صدق و الله في هذه التسمية فانظروا لما خلفته هذه الأباطيل على عقول الناس فاللهم سلم سلم.
قبل البدأ ننبه على شبهة يروج لها في: قول الله عزوجل : )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( ]4[
قال الحافظ ابن حجر : '' ثم إن البر و الصلة والإحسان لا يستلزم التحابب و التوادد المنهي عنه في قوله تعالى : )لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْكَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ]5[، فإنها عامة في حق من قاتلو من لن يقاتل . و الله أعلم '' إ.هـ . ]6[
و قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: '' إن الله سبحانه لما نهى في أول السورة _أي الممتحنة _ عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء و قطع المودة بينهم و بينهم توهم بعضهم أن برهم و الإحسان إليهم من الموالاة و المودة ، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها ، و أنه لم ينهى عن ذلك ، بل هو الإحسان الذي يحبه و يرضاه و كتبه على كل شيء، و إنما المنهي عنه تولي الكفار و الإلقاء إليهم بالمودة ( إ.هـ ]7[
و يقول الشيخ الفوزان _حفظه الله _ : '' هناك فرق ظاهر بين الإحسان في المعاملة و بين المودة في القلوب ، و الله تعالى يقول : )أن تبروهم و تقسطوا إليهم ( و لم يقل : أن توادوهم '' ]8[
قلت : هذا ما يروج له حتى يُقضى على عقيدة الولاء و البراء ، فكما ترى فسروا الآية على هواهم حتى يتمكنوا من التدليس على العامة و هذا ما يعرف بالمتشابه من القرآن فعن عائشة رضي الله عنهاقالت:'' تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ( ]9[فقال: يا عائشة إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم'' ]10[
و قال الشاطبي: ''إِنَّ الزَّائِغَ المتّبِعَ لِمَا تَشَابَهَ مِن الدَّلِيلِ لاَ يَزَالُ فِي رَيْبٍ وَشَكٍ؛ إِذِ المتَشَابِهُ لاَ يُعْطِي بَيَانًا شَافِيًا، وَلاَ يَقِفُ مِنْهُ مُتَّبِعُهُ عَلَى حَقِيقَةٍ، فَاتِّبَاعُ الهوَى يُلْجِئُهُ إلى التمَسُك بِه، والنظَرُ فيهِ لا يَتَخَلَّصُ لَهُ، فَهُو عَلَى شَكٍ أَبَدًا، وَبِذَلكَ يُفَارِقُ الرَّاسِخَ في العِلْمِ لأَنَّ جِدَالَهُ إِنِ افْتَقَرَ إِلَيْه فَهُو في مَوَاقِعِ الإشْكَالِ العَارِضِ طَلَبًا لإزَالَتِهِ فَسُرْعَانَ مَايَزُولُ إِذَا بُيِّنَ لَهُ مَوْضِعُ النَّظَرِ، وَأَمَّا ذُو الزيْغِ فَإِنَّ هَوَاهُ لاَ يُخلِيهِ إِلَى طَرْحِ المتَشَّابِهِ فَلاَ يَزَالُ فِي جِدَالٍ عَلَيْهِ وَطَلَبٍ لِتَأْوِيلِهِ'' ]11[
دراسة الحديث :
أقول و بالله استعين و عليه التكلان :هذا الحديث من حيث متن القصة عجيب غريب فمن المعلوم أنه لم يكن ثمة يهود في مكة!فمن أين جاءهذا اليهودي!؟.
الجواب من زبالات و مخيلات القصاص.
أما من حيث المتن :
فعن بريدة رضي الله عنه قال : '' كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال:اذهبوا بنا نعود جارنا اليهودي.قال : فأتيناه ، فقال : كيف أنت يا فلان ؟ فسأله ، ثم قال : يا فلان ، اشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله.فنظر الرجل إلى أبيه ، فلم يكلمه ، ثم سكت ثم قال وهو عند رأسه ، فلم يكلمه ، فسكت ،فقال : يا فلان ، اشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله .فقال له أبوه : اشهد له يا بني . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . فقال : الحمد لله الذي أعتق رقبة من النار '' ]12[
وقد وردت القصة أيضا من حديث أبى هريرة رضي الله عنه،عند العقيلي ، وإسناده أيضا ضعيف ]13[. ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، رواه الجوزقاني ]14[، ورجح الدارقطني أنه من مراسيل ثابت ، وليس مسندا عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]15[
وروي أيضا من حديث ابن أبي حسين ، رواه عبد الرزاق ]16[وابن أبي حسين – واسمه عمربن سعيد بن أبي حسين – من الذين عاصروا صغار التابعين ، ولم يدرك أحدا من الصحابة ، فالإسناد مرسل، منقطع. ]17[
و أما الزيادة التي اشتهرت عندكثير من الناس اليوم بل و تقال على المنابر للأسف، أن هذا الجار اليهودي ]18[كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويضع القمامة والشوك في طريقه.
والحق أن هذه الزيادة لا أصللها في كتب السنة، ولم يذكرها أحد من أهل العلم ، وإنما اشتهرت لدى المتأخرين من الوعاظ والزهاد من غير أصل ولا إسناد ]19[، والأصل في المسلم الوقوف عند الثابت والمقبول ، خاصة وأن متنها فيه نكارة ، إذ من المستبعد جدا أن يؤذي اليهودي النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يعترض الصحابة أو يدافعوا عن النبي عليه الصلاة والسلام.
و مما يدل أيضا على بطلان هذه الزيادة التي أشرنا إليها ]20[، أن الحديث قد ثبت على وجه آخر سوى المذكور هنا : فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:'' كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ!!فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَيَقُولُ:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ '' ]21[.
فظهر في هذا الحديث أن الغلام اليهودي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بل في بعض رواياته كما في مسند الإمام أحمد أنه'':كَانَ يَضَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَهُ وَيُنَاوِلُهُ نَعْلَيْهِ '' ]22[.
قلت : و مما سبق يظهر أن جميع طرق القصة ضعيفة ، لا يصح منها شيء.
و أما ما جاء في أن النبي كان يتأذى من جاره وجدناه بعد البحث عند ابن سعد في الطبقات كما سنبينه الآن :
قال ابن سعد في الطبقات ]23[:
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:''كنت بين شر جارين، بين أبي لهبٍ وعقبة بن أبي معيطٍ إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي حتى إنهم ليأتون ببعض ما يطرحون من الأذى فيطرحونه على بابي، فيخرج به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيقول: يا بني عبد منافٍ أي جوارٍ هذا؟ ثم يلقيه بالطريق.''
قلت : وهذا إسناد موضوع ؛ آفته محمد بن عمر - وهو الواقدي - ؛ كذبه الإمام أحمد وغيره ]24[.
فأين ادعاء هؤلاء القصاص من أنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ؟!!فكفاكم إذا تلبيسا على الناس و اتقوا الله في الأمة التي حرفتموها عن الطريق المستقيم بترهاتكم و قصصكم الواهية فنسأل الله لكم الهداية و أن يعينكم على أنفسكم و شياطينكم.
و اعلم أخي المسلم أن الأحاديث الضعيفة لا يعمل بها في الفضائل و لا في الأحكام و لا في غير ذلك على القول الصحيح من كلام أهل العلم و الله أعلم.
هذا ما تيسر جمعه و ذكره في هذه العجالة و الله المسؤول أن ينفعنا بها و إخواننا المسلمين إنه القادر على ذلك و صلى الله على محمد و على آله و صحابته أجمعين.